Tuesday, March 25, 2008

عبد الرحمن الجريسي ... العناء يصنع النجاح




من حياة القرية البسيطة قبل أكثر من خمسين عاماً بدأت أحلامه الصغيرة تكبر وتتسع وسط ظروف صعبة لا تتجاوز أحلام أكثر المتفائلين فيها في أن يجد قوت يومه المتمثل في التمر والقمح آنذاك، وخاض خلالها غمار تجارب قاسية عندما رحل والده عن هذه الدنيا تاركاً ابنه الذي لم يكن قد أكمل ربيعه الثاني من العمر ليواجه تجارب الحياة بنفسه فعاش يتيماً وقتها ليبدأ هاجس مواجهة صعوبات الحياة والاعتماد على النفس يرافقه أينما قادته قدماه بين أزقة وشوارع "رغبة" 130كم شمال الرياض التي نشأ وترعرع فيها عندها قرر الرحيل مع جدته التي احتضنته بعد وفاة والده إلى الرياض للبحث عن الرزق والعمل بعد أن بلغ من العمر (7) سنوات لتبدأ مرحلة جديدة في حياته مليئة بالمواقف والتجارب الشيقة .


يقول عبد الرحمن الجريسي أنه يعمل أربعة عشر ساعة في اليوم، إلا أن من يتابع نشاطاته، يعتقد بأنه يعمل أربعة وعشرين ساعة في اليوم، فهو يشغل سبعة عشر منصباً خاصاً ورسمياً، يؤدي دوره في كل واحد منها كأحسن مايكون الأداء
اختار المعهد الأمريكي للسير الذاتية، عبد الرحمن بن علي الجريسي، ليكون رجل العام 2004، وجاء في حيثيات الإختيار أنه تم باعتبار الجريسي "مثالاً نبيلاً وقدوة رفيعة لأقرانه، بل وللمجتمع بشكل عام" قبل ذلك حصل الجريسي على وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، وشهادة دكتوراه شرفية في فلسفة الاقتصاد، من جامعة كنغستون الأمريكية، ودكتوراة شرفية في فلسفة إدارة الأعمال، من جامعة أميركا بولاية مونتانا، وجائزة المؤسسة الأمريكية العالمية لتقييم المنجزات بلوس آنجلوس بكاليفورنيا، وجائزة الشخصية الإسلامية العالمية المميزة لعام 2000 من مؤسسة محمد الإسلامية في شيكاغو، وحظي بوسام جوقة الليوبولد الثاني برتبة كوماندوز، من ولي العهد البلجيكي فيليب، في العام 2002، فمن هو عبد الرحمن بن علي الجريسي؟
ولد عبد الرحمن الجريسي في عام 1932، فيما كان عندها قرية صغيرة، تدعى رغبة، ليس فيها ماء ولا كهرباء، تقع شمال غرب الرياض، على مسافة مئة وعشرين كيلومتراً، توفي والده وهو في الثانية من عمره، ولربما كان هذا الحدث المؤسف هو الذي وضع عبد الرحمن على أول سلم المجد، فرب ضارة نافعة، ولاتكرهوا شيئاً لعله خير لكم، تولت جدته لأبيه وعمه محمد تربيته والعناية به، وأرسلاه إلى الكتَاب (مدرسة لتحفيظ القرآن) وهو في السادسة من عمره، وكان عليه أن يقطع مسافة كيلومترين يومياً مشياً على الأقدام حتى يصل إلى مدرسته، ومثلهما عند العودة، هكذا حتى أصبح في الرابعة عشرة من عمره، حين أ يذهب أن يقطع كيلوت أرسله عمه ليعمل في دكان الشيخ عبد العزيز الناصر، ولم يكن على عبد الرحمن عبء العمل في الدكان لساعات طوال فقط، بل كان عليه أيضاً أن ينقل الماء من بئر بعيدة إلى منزل عبد العزيز، وكلما عاد إلى منزله كان يفكر في ترك ذلك العمل، إلا أنه يجد نفسه في الصباح ذاهباً إليه، حتى أمضى فيه ثلاث سنوات، دون أن يعرف خلالها كم كان راتبه الذي كان يستلمه عمه، غير أنه اكتسب خلال هذه السنوات الكثير من مهارات السوق وخبرته، وبعضاً من مهارات الحساب، أعانته على الإنتقال إلى أعمال أخرى من تجارة السجاد، إلى الأدوات المنزلية حتى كانت نهاية الخمسينات، وبدأت سنوات الطفرة الأولى، فعمل في تجهيزات المكاتب حتى كان عام 1975، الذي يعتبره بدايته الحقيقية، وكان قد جمع مبلغ أربعين ألف ريال، أسس بها شركة صغيرة باسم بيت الرياض، بدأت بموظف واحد، يساعد الجريسي في أعماله، وكبرت حتى أصبحت أعمال الجريسي اليوم تضم خمسة آلاف موظف أربعة آلاف منهم يعملون في مجال التقنية.

يمتلك عبد الرحمن الجريسي اليوم عدداً من المؤسسات بنسبة مئة في المئة، تنطوي تحت مظلة مجموعة الجريسي، وهي كل من مؤسسة الجريسي لخدمات الكومبيوتر والاتصالات و"أثير" أحد مزودي خدمة الانترنت، والجريسي للتقنية، والجريسي للتنمية، فيما تعود له ملكية أربعة مصانع، هي الجريسي للأثاث، ومصنع ستيلكيس للأثاث، ومصنع للبطاقات الذكية، ورابع لصناعة ورق الكومبيوتر، وقد قدرت مجلة فوربس ثروته الحالية بأكثر من ملياري دولار، وهو رقم يقول الجريسي عنه "إنه مبالغ فيه".


يقول الجريسي "كنت أول من جلب جهاز كومبيوتر للبيع في السوق السعودية، وكان ذلك في بداية السبعينات الميلادية، عندما انتشرت أنباء استخدامات الكومبيوتر في دنيا الأعمال، فيما حصلت شركتي مؤخرا ًعلى جائزة الشركة الأسرع نمواً بين شركات الكومبيوتر وتقنية المعلومات"
غير أن نشاط الجريسي ليس حكراً على أعماله الخاصة فقط، فهو من الناشطين في العمل المجتمعي، سواء كان هذا العمل متعلقاَ بأعمال التجارة والصناعة، أم بأعمال مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، والمؤسسات الخيرية، فقد تدخل مثلاً لحل الخلاف الذي نشب بين أعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة المدينة المنورة، واستطاع مع أعضاء مجلس الإدارة، إقالة رئيس الغرفة السابق، عبد الرحمن مهل الرحيلي، وأثار مع عبد الرحمن الزامل موضوع البضائع السعودية التي تدخل العراق عن طريق الكويت والسعودية، لعدم وجود منفذ مروري بين البلدين، إذ كان منفذ عرعر قد أغلق لدواع أمنية، وبذل الجريسي الكثير من الجهد، سواء مع المسؤولين السعوديين أو الأمريكين، مطالباً بفتح المنافذ بأسرع مايمكن، حتى يستطيع التجار السعوديون بيع بضائعهم مباشرة للعراق، واقترح إقامة مستودعات على الحدود السعودية العراقية، حتى يتم البيع من خلالها، إلى جانب السماح للتجار العراقيين بالدخول إلى مناطق التخزين هذه، لشراء ما يحتاجونه والعودة إلى العراق.

الجريسي حيص كل الحرص، على أن يبقى في موقع المسؤولية في غرفة تجارة الرياض، واتحاد الغرف، وقد أثار الكثير من الانتقادات بعد آخر انتخابات جرت، إذ اتهمه منافسوه أنه سعى مع مجموعته، التي كانت تسمي نفسها مجموعة التطوير، لشراء أصوات الناخبين، بتقديم مبالغ مالية لبعضهم تعادل قيمة الاشتراك السنوي في الغرفة.

فاجأ الجريسي الجميع، بعد انتهاء أعمال منتدى جدة الاقتصادي الخامس، مطلع العام الماضي 2004، إذ انتقد بشدة مشاركة السعوديات في المنتدى، ووصفهن بعارضات أزياء، لا مشاركات في مناقشة قضايا اقتصادية جادة، تهم المجتمع السعودي ككل، وقال أنه بصفته ممثلاً لمجلس الغرف السعودية، ينتقد المشاركة الصريحة للمرأة السعودية، علانية إلى جانب الرجال، خلافاً لمشاركاتها السابقة التي كانت تتم عبر القاعات المغلقة، مشيراً إلى أن المظهر الذي خرجت به بعض النساء في المنتدى، لا يخدم الأهداف المرجوة منه، بتوفير العمل المناسب للمرأة العاملة في السعودية، وإعطائها دوراً مهماً نبيلاً يخدم الأهداف المرجوة منها لتحقيق النمو الاقتصادي للبلاد بمشاركة نسائية، من دون التخلي عن المعتقدات والثوابت الإسلامية التي يعتز بها كل مسلم ومسلمة.

كما انتقد الجريسي، القائمين على المنتدى باعتمادهم اللغة الانجليزية لغة رئيسية للمنتدى، حيث قال إن المنظمين للمنتدى لم يوفقوا بجعل اللغة الإنجليزية هي لغة التخاطب، إضافة إلى كون الذين يتحدثون بالعربية في ذلك المنتدى يتجاوزون 90 في المئة على أن تتم الترجمة الفورية لأي شخص لا يتحدث العربية، واستغرب دعوة بعض الفنانين الأميركيين إلى المنتدى، ودعوة بعض المشاركين من خارج السعودية، ومن ثم طرح المشاكل الخاصة التي تواجه السعوديين أمام تلك الوفود، وطلب العون منهم لإيجاد حل لها، إضافة إلى افتتاح المنتدى بالموسيقى الصاخبة أثناء مراسم الافتتاح، التي وصفها بالمؤذية لأغلب الحاضرين والمشاركين، ولا تخدم الهدف المنشود من المنتدى إطلاقاً.

قد نتفق مع الجريسي في آرائه، وقد نختلف، إلا أن أحداً لايمكن أن يخفي إعجابه بهذا الرجل العصامي، الذي جعل من مشاكل الحياة سلماً يرتقيه إلى المجد، وأسس صرحاً اقتصادياً مهماً في بلده، السعودية
.

0 Comments:

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

Links to this post:

Create a Link

<< Home